منبر كل الاحرار

الرحيل إلى السماء حيث النجوم

الجنوب اليوم | مقال

 

بقلم | علي ناصر محمد

 

قلة من الرجال يتركون أثراً في التاريخ بعد رحيلهم، ويصنعون بصمة في حياتهم تدل عليهم، وتجعل الناس تتحدث عنهم وعن سيرتهم بكل ما هو طيب. لأنّ الطيبين لا يخلفون الا كل ما هو طيب.
لعلّ هذا ينطبق أكثر ما ينطبق، على الراحل الصديق، الدكتور صالح علي باصرة، الذي انتقل الى رحاب الله (رحمه الله).
وقد حزنت كثيراً لموته، إذ تربطني بالفقيد الغالي قصة صداقة طويلة وعلاقة نضال في محطات كثيرة، كان خلالها مثالاً للصديق الوفي في الزمن الصعب، حيث يختبر معدن الرجال، وتصهر صلابة الشجعان، والمناضل الصادق، والسياسي الصدوق، حيث امتهن كثيرون الكذب والنفاق. وهو المثقف والتربوي الواعي لرسالته التربوية والثقافية والحريص على خدمة الناس في كل مكان يكون فيه، وكل وظيفة تولاها.
قبل اسبوعين تقريباً من وفاته، أجريت اتصالاً تلفونياً معه في المشفى الأردني، الذي يتلقى فيه العلاج منذ أشهر، للاطمئنان على صحته. وأشدت في كلمة نشرتها في حينه، بالأدوار الهامة التي لعبها الشخصية السياسية والتربوية الدكتور صالح باصرة، والذي يحظى بحب واحترام وتقدير الاوساط السياسية والتربوية والثقافية. وأكدت بأن الدكتور باصرة، ترك بصمته في كل المؤسسات التي عمل فيها بجد وإخلاص، كما ارتبط اسمه بمكافحة الفساد والتقرير الهام الذي قدمه تحت اسم تقرير (هلال – باصرة) عن الفاسدين ومكافحة الفساد الذي حُفظ بأدراج المسؤولين في السلطة.
تعود جذور د. صالح باصرة الى حضرموت التاريخ والعلم والحضارة. ولد في عاصمتها المكلا، ومنها قدم الى عدن، مدينة الحداثة والتنوير. ودرس في جامعة عدن، ثم أصبح رئيساً لها بعد أن نال الشهادة العليا في التاريخ من المانيا. وفي وقت لاحق تولى حقيبة التعليم العالي. لكن لم يكن له حدود سوى العلم والتاريخ والحقيقة والجهر بالحق والصدق. وكل من عرفه أو سمع به، لم يعرف عنه غير الصدق والاخلاص وحب وخدمة الناس، وتلك الابتسامة المريحة التي قلما تفارق وجهه، فيدخل منها القلوب على الفور.
سنفتقدك ايها الطيب، أخاُ وصديقاُ، سياسياً ومثقفاً وتربوياً، وقبل كل ذلك انساناً في منتهى النبل والشجاعة. وما أحوجنا اليك والى أمثالك في هذه اللحظات الصعبة من تاريخ الوطن.
أمثالك لا يبرحون التاريخ وإن بارحوا التراب، فإنهم يغادرون الى السماء حيث النجوم، ويدخلون القلوب ولا يخرجون منها، هكذا كنت لوطنك وشعبك وهكذا ستظل.
فليسكنك الله سبحانه وتعالى جنات الفردوس، وليلهم أهلك وذويك الصبر والسلوان أبا شادي.